"التبخيس" ... صنع خصيصاً للسودان!!!!
 
لا شك أن التمايز في المواهب والتفاوت في القدرات هو جزء من طبيعة الخلق وله مدلولاته العميقة في إثراء وإخصاب الحياة الدنيا بما ينتج عنه من فعل بشري خلاق. وكذلك من نافلة القول بأن المجتمعات التي عرفت طريقها للتقدم والرقي لم يتحقق لها ذلك إلا بالتفاتها لهذا التمايز والقدرة على توظيفه بأقصى حد تسمح به الطاقة البشرية.
ولكن، الأمر في السودان جد مختلف . فالمتتبع للسلوك الجمعي لمجتمعنا وما ينساب من بين ثنايا ثقافته يكتشف أن مجرد التفكير في التفرد أو إبراز الموهبة لهو نوع من المجازفة الخطيرة التي ينبغي لصاحبها الاستعداد نفسيا وبدنيا لدفع ثمنها لأن الأمر قد يبلغ أحيانا درجة التأديب!!. ولا شك أن الظواهر الشاهدة على ذلك كثيرة بما لا تحصى أو تعد. ولكن، قبل محاولتنا التدليل على ذلك يجدر بنا تقصي الأسباب إن أمكن ذلك ومن باب الملاحظة التي هي نتاج الممارسة الحياتية اليومية ليس الا.
يخيل للمراقب أن الشخص السوداني – لعدد من الأسباب- لا يطيق أن يكون أقل قدرة أو موهبة عن أقرانه، وقد يشكل ذلك لديه الكثير من العنت والشقاء ويسهم بقدر وافر في تكدير حياته وإكسابها الكثير من السلوك النفسي السالب، لأن تميز الآخر عنه يشعره بدونية وضآلة تذهب بقدر وافر من ثقته بنفسه. وقد يكون مرد ذلك نوع التنشئة الذي تتبعه الأسر في تربيتها للطفل. حيث أنه من الملاحظ يكاد يكون ممنوعاً عليه أن يصرح بمحاسن أقرانه أو يعلن عن تفوق أحدهم، وكثيراً ما يكون الرد حاسماً وغاضباً "انت مالك ناقص؟!" أو "انت الما بخليك زيه شنو؟" وغيرها من الالفاظ والتعابير التي تشعر الطفل مبكراً أنه من العيب أن يقر بتفوق الآخر لأن ذلك تسليم بالنقصان وقلة الشأن ، ولعل ذلك أوضح ما يكون في التنافس المحموم "حد الهستريا" في المراحل الدراسية والتقريع الملازم للطفل و خلق جو من الإرهاب في أي لحظة يتخلف فيها الطفل عن بعض أقرانه وخصوصا داخل نطاق العائلة الممتدة. كل هذا وذاك من أسباب التنافس غير العاقل عزز من حالة التنميط التي يرزح تحتها المجتمع وانصرفت الأسر كلياً عن اكتشاف مقدرات ومواهب صغارها وبحثها عما يميزهم عن الآخرين فيما اتجهوا كلياً إلى المحاكاة حتى أصبح بمرور الوقت أن الهدف الأكاديمي المرتجى لم يتعدى المجال أو المجالين في أحسن الأحوال "طب وهندسة"، وما دون ذلك يندرج في خانة "التعب البلا عوض"!!!.
هذا الخنق القسري لرحابة الحياة معززاً بذلك الغرس غير الحميد لمعنى التنافس غير الشريف واهدار معنى التمايز كان لابد بمرور الزمن أن يخلق نوعاً من من "ثقافة التبخيس" التي تسعى لاحتقار الآخر المتفوق أو الموهوب والعمل دوما للحط من شأنه بغية التوازن النفسي.. ولنا في ذلك أدبيات كاملة وأمثال ليس أقلها "الما بتلحقوا جدعو"!!.
والتبخيس دوما حالة مفارقة للنقد المنهجي، فبينما الأخير يتوسل الموضوعية والمنهجية بغية الإسهام في تنقيح التجارب والدفع بها نحو التطور والارتقاء نجد أن التبخيس لا علاقة له بعقلانية أو منطق كما أنه في مجتمعاتنا بلغ حداً من المباشرة بحيث أنه بات زاهداً في الالتفاف والمناورة لتحقيق أغراضه ولا يعنى في ذلك بأي حد من المعقولية. والحياة اليومية مليئة بالنماذج الطريفة، فمثلاً يكفي أن تكون في مجلس "ونسة" عامة مفتوحة على كافة النقاشات اليومية من فن ورياضة وثقافة ومجتمع، وعنى لك أن تشيد بلاعب مبرز حين انعطف النقاش نحو الرياضة، فيجيبك أحدهم بصبر نافد "آي هو ما بطال بس مشكلته انه بيقوم بقزازة براه !!" ، أو أن تتحدث باحترام عن تجربة أحد الفنانين فيجيبك أحدهم بامتعاض ظاهر: "صاح هو بغني كويس بس مشكلته بصبغ شنبه !!" وغيرها من مئات التعليقات غير المتماسكة أو ان شئت الدقة المتهافتة التي قد تصادفك يومياً والتي كلها تتفق في أن الذهنية التبخيسية لا تتوخى أدنى حد من الحذر أو تتوسل أية نوع من العقلانية في ما تود نسفه.
 
الشاهد ان هذه الثقافة تنامت وتجذرت للدرجة التي اصبح فيها التفوق أو التفرد نغمة توجب من صاحبها دفع الثمن كما ابنا لاحقا. وتبدأ تلك الممارسة منذ بواكير مرحلة الدراسة بتلك التحرشات اليومية التي يواجهها المتفوق من قبل أقرانه، هذا إن لم يتطور الأمر إلى حالة من الابتزاز النفسي بإشاعة أن تفوقه ناتج لعلاقة مشبوهة مع بعض الأستاذة!!! والى غير ذلك من السلوك المسبب للضغوط النفسية التي تذهب بثقته. ولعل ذلك كان سبباً لأن يترك الكثير مقاعد الدراسة هجراً بعد أن أصبح تفوقهم نغمة عليهم وسبب لجحيم حياتهم. أو أن يتراجع البعض دراسياً ليأمن شر التفوق وينضم إلى الآخرين للتنكيل بالضحية الجديدة !!.
أما السعي لمحاولة إبراز الموهبة مسرحيا كان أم غنائياً في الجمعيات الأدبية أو الأيام الثقافية المدرسية فالمحاولة هنا تبدو محفوفة بالمخاطر لأن ثقافة الاستهجان والتبخيس جاهزة ومتحفزة للانقضاض والألقاب المحملة بدلالات الاستحقار جاهزة للالتصاق بالمستهدف مرة والى الأبد ليس أقلها "فلان العوير" أو "علان البايخ" وليس آخرها "الثقيل".
أما إذا كان النبوغ رياضياً هذه المرة فالامر يتحول الى حرب يومية يخوضها صاحب الموهبة حتى يعود سالماً الى بيته " وليست في كل مرة تسلم الجرة" . فالموهبة هنا ليست محل استحسان الأقران بل هي تطاول يستحق التأديب والذي يكون في هذه الحالة ركلاً متعمداً وتشليتاً مصاحباًَ بصراخ جماعي "دقوا" .."كسروا" .. ما تخليه ينطط فينا" – ولاحظ هنا تعبير "ينطط" – فهو مرادف للموهبة، ولكنه مبتذل في اللاوعي الجمعي بقصد التبخيس.
كل هذا وذاك عزز بشكل أو بآخر من ثقافة التبخيس واستبطانها بقوة في اللاوعي الجمعي الذي يسعى حثيثاً لزجر أي بوادر لموهبة أو تفوق من باب أن الناس متساوية وكلنا "أولاد تسعة"، وهذا أضعف بدوره من قيمة الموهبة وبالتالي سيطرة ذهنية التبخيس متمثلة في لغتها السائدة، فأصبح الفنان "عامل فيها فنان" والشاعر "عامل فيها شاعر" ..كما أن عبارات مثل "ده فاكيها في روحه" أو "براي" ..لها مدلولها الابتزازي الرهيب على النفوس لأنها مشحونة بمعاني تبخيسية واستفزازية ناسفة. ومصطلح "عامل فيها .." لهو من الغرابة والطرافة بحيث أنه من المشكوك أن تجد له مقابل في أي لغة أخرى على ظهر البسيطة.
 
ولكن.. رغم كل ذلك ، ولأن التمايز واختلاف القدرات جزء من طبيعة الأشياء كما أشرنا من قبل، كان لابد للمواهب أن تعلن عن نفسها وللقدرات أن تظهر تفردها بحيث يصبح تجاهلها أو التنكر لها ليس دوماً في الإمكان . وهنا للمفارقة يتحول العقل الجمعي الحاضن لثقافة التبخيس الى عقل "دوغمائي" يعتقد فيمن يدين له بالتفرد حد التطرف. ومن عجب رغم التناقض الظاهري للمفهومين الا أنهما يعملان معاً في الثقافة السودانية بكفاءة نادرة ويمكن اعتبارهم القاسم المشترك في تشكيل بنية العقل الجماعي. ولعل أوضح ما يكون ذلك على مستوى العقل النخبوي ومراوحته بينهما. ويتجلى ذلك في غياب ثقافة الاختلاف وشيوع الخلاف كاحد الآليات المنتجة لذهنية التبخيس. أو سيطرة مفهوم الحواري "درق سيده" عندما يتحول الأمر الى "دوغما". وبمعنى أوضح فالأمر عند النخب كما هو الحال في باقي المجتمع هو غياب نسبية الآراء والتمترس خلف حقيقة موهومة تجعل من الآخر "نكرة" أو "جاهل" في أحسن الاحوال، هذا ان لم يستطيل الحال الى أنواع أخرى من الاسلحة الفتاكة ليس أقلها "اغتيال الشخصية"!!.
هذا التزاوج بين التبخيس والدوغمائية لا يخلو في كثير الاحيان من الطرافة لأنه أصلاً مبني على اللاعقلانية .. وهنا يستحضرني هذا الموقف الطريف: "كان يرافقني يوما ما في السيارة أحد الأصدقاء الذين لا يرون الحياة الا من "خرم" سياسي. وكان أن تصادف بمسجل السيارة شريط غنائي للفنان مصطفى سيد أحمد، وطلب هذا الصديق تغيير الشريط بحجة أنه لا يحبه، وكان من الممكن أن يكتفي بذلك الطلب محيلاً الأمر الى تباين أذواق .. ولكنه أردف معقباً "ياخ هو زي ما قال "نقد" : "في فنان شنبه كبير !!!" .. والتعليق بقدر طرافته فهو يكشف بحق عن ذلك التلازم الحميم بين المفهومين والقدرة على المزاوجة بينهم متى ما استدعى الأمر. فصاحبنا على ما يبدو لم يكن على ثقة من نفسه لتبخيس مصطفى ولذلك استعان بنموذج "معتقد فيه" - بضم الميم - يضفي على التبخيس بعداً أعمق.
 
خلاصة الأمر يبدو أنه من الواضح أن التبخيس ساهم بفاعلية حقيقية في "فرملة" تطور المجتمع السوداني في الكثير من مناحي الحياة وعمل بقوة على تنمطيه بحيث صار ايقاع الحياة يسير على وتيرة واحدة لا تحس معها بأي قيمة لتراكم التجارب الحياتية والابداعية .. فمثلاً: الغناء ليس بغناء ان لم يساير المألوف والتعليم ليس بتعليم ان لم يكن طب وهندسة والدراما ليست دراما طالما أنها ليست مصرية النسق، والكورة ليست كورة طالما أنها لا تلعب بطريقة الخمسينات من القرن الماضي ، وفي هذا الشأن اختزل احد المخضرمين الذين استضافهم التلفزيون السوداني قبل فترة كل علات الكورة السودانية في الأحذية الحديثة والحوافز .. مشدداً أن الحل الأمثل في العودة فوراً الى "الكدارة الجلد" و"جك الليمون" بديلاً عن الحافز المادي!!.
ومن نافلة القول أن نشير الى أن هذا الجو المشبع بروح "الارهاب التبخيسي" كان وما يزال سبباً لتطاول اقزام الفكر والمتصحرين عقلياً وعاملاً من عوامل شيوع الهرجلة وروح الانتهازية في مختلف مجالات الحياة للحد الذي صبغ كامل حياتنا بسقم وجودي مستدام يتبدى معه الإصلاح أمراً في غاية الاستحالة.
 
عبد الخالق السر/ ملبورن
29/5/2004م

جميع الحقوق محفوظة لمركز أمنية للتدريب ©2015