سيكولوجية العفو والتسامح


يعد الاعتذار أحد السلوكيات الإيجابية لنشر وإشاعة الحب بين الناس، إذ يعمل الاعتذار على مد جسور الثقة والتعاون التي هدمت بسبب إحدى التصرفات السيئة أو غير المقبولة التي قمنا بها، مما يمهد الاعتذار الطريق لأن نسير مرة أخرى في أفكار ومشاعر الشخص الذي أسأنا إليه. ورغم بساطة الاعتذار أو قول كلمة محببة أو جميلة في نفس الآخر إلا أن بعض الناس يجدون صعوبة كبيرة في التعبير عنها، أو يمتنعون من قولها، أو حتى برمي نظرات تدل على أن الشخص يتأسف على ما صدر منه من سلوكيات غير مقبولة ولكنه يخجل من قول كلمات الأسف، مما يجعل المشكلة والفجوة التي ظهرت بين طرفي الخلاف تكبر شيئاً فشيئاً حتى تصبح عملية ترميم العلاقة الاجتماعية أو الحميمة من جديد صعبة جداً، وبذلك فإن قول كلمة آسف تحتاج إلى ثقافة ومهارة خاصة يجب أن يتمتع بها كل شخص لأننا غالباً ما نتعرض إلى مثل هذه المواقف سواء كانت مع الوالد أو الزوج والصديق أو الجار أو حتى الشخص الغريب.
لقد أعطى ديننا الإسلامي للعفو عن الآخرين معنى خاصاً، وجعل له هدفاً ودعا إليه وشجّع عليه، وهو يتضمن التسامح والرحمة والأخوة، قال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وكل منا قد يتعرض في تفاعله الاجتماعي للإساءة والظلم والجهالة والإفك والبهتان من الآخرين، أو يتعرض للصد والمنع والإحباط فتتولد مشاعر التوتر والقلق، وتثير فينا ردود فعل غاضبة، وهنا يأتي دور ترك الانتقام وكظم الغيظ، والعفو عمن ظلمنا، ونصفح عمن أساء إلينا، ونتسامح مع من اعتدى علينا، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران 134، وهذه الأخلاقيات (العفو والصفح والتسامح) إنها تفيد وترفع صاحبها من درجاته قبل أن تفيد من عفا عنه، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» ففي العفو طمأنينة ومودة وشرف للنفس ورفعة لها عن ذل الانتقام، فالخبرة الدارجة في الحياة اليومية تثبت لنا أن ما انتقم أحد لنفسه إلا ذلَّ.
والإيمان كما وصفه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى يقوم على السماحة والحلم وترك طلب الهلاك للمخطئين والتخلي عن السعي للانتقام، لأن الإيمان ينزع من النفوس الغل والحقد ويجعلها هينة لينة رقيقة يسبق حلمها غضبها، وتغلب حكمتها انفعالاتها، وهذا ما أكده قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطب صحابته رضوان الله عليهم، قال: «ألا أنبئكم بما يشرف البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا نعم يا رسول الله، قال: تحلم عمن جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك».
ويتم العفو عن الناس على 3 مستويات:
1- كظم الغيظ: حاول أن تعمل على تحويل مشاعر الغيظ إلى مشاعر تقبل وتحمل، وتصريفها ابتغاء لمرضاة الله، وعدم حبسها في النفس ولا تلجأ إلى الانتقام من الشخص الذي أساء إليك، وهذا يعطيك قوة الإرادة وثقة بالنفس عالية، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب».
2- الصفح عن الإساءة: لا بد أن نتحمل إساءة المسيء ونتقبلها ولا نغضب منها ونحاول أن نصفح عنه ونسامحه دون قلق أو توتر، والصفح أعلى مرتبة من كظم الغيظ، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت 34.
3- الإحسان إلى المسيء: ثم تأتي مرحلة الإحسان إلى المسيء وهي أعلى درجة الصفح يكون فيها عطاء ومودة ومحبة للمسيء وإحسان إليه والدعاء له، وهذه العملية لا يقدر عليها إلا من قوي إيمانه.
ونحاول أن نحب من يكرهنا ونحسن إلى من أساء لنا ونصفح عمن ظلمنا ونصل من قطعنا وندفع بالتي هي أحسن حتى ننال رضا الله تبارك وتعالى.
4- افهم الشخص الذي أساء إليك: ولكي تتخلص من كره الشخص الذي أساء إليك، ضع نفسك مكانه، إنّ هذا يجعلك ترى الجرم الذي ارتكبه في حقك بعين أخرى، وقد تنظر إليه إلى حدٍ ما على أنّه مقبول، أو على الأقل سيبدو لك أقل مأساوية مما تراه أنت من موقع الضحية. إن وضعت نفسك مكان الذي أساء إليك، فسوف ترى دوافعه إلى ما ارتكبه، بغرض أن تعرف أنّ له هو أيضاً نقاط ضعف.
5- ابدأ حياتك من جديد: أن تعود إلى ممارسة حياتك الطبيعية بشكل عادي، والمسامحة هي فعل تحريري، يحررك من الألم ويعطيك الشجاعة لمواجهة الحياة من جديد.
اذن التسامح مهارة يجب ان نملكها لابناءنا ليعيشو سعداء وبالرغم من طيبة الشخصية السودانية وعدم ميلها للعنف الا ان ثقافة الاعتذار مرتبطة بالكرامة والضعف وعدم التسامح مرتبط بقوة الشخصية وكلها مفاهيم خاطئة تضعف العلاقات على كل المستويات وتوئجج الصراع الذى لاينتهى الا بالخسارة للطرفين فهذه دعوة للحب والتسامح لنجربه معا لندرك مدى تاثيرة على النفس وراحة البال .

د. ابتسام محمود

جميع الحقوق محفوظة لمركز أمنية للتدريب ©2015