"التبخيس" ... صنع خصيصاً للسودان!!!!
 
لا شك أن التمايز في المواهب والتفاوت في القدرات هو جزء من طبيعة الخلق وله مدلولاته العميقة في إثراء وإخصاب الحياة الدنيا بما ينتج عنه من فعل بشري خلاق. وكذلك من نافلة القول بأن المجتمعات التي عرفت طريقها للتقدم والرقي لم يتحقق لها ذلك إلا بالتفاتها لهذا التمايز والقدرة على توظيفه بأقصى حد تسمح به الطاقة البشرية.
ولكن، الأمر في السودان جد مختلف . فالمتتبع للسلوك الجمعي لمجتمعنا وما ينساب من بين ثنايا ثقافته يكتشف أن مجرد التفكير في التفرد أو إبراز الموهبة لهو نوع من المجازفة الخطيرة التي ينبغي لصاحبها الاستعداد نفسيا وبدنيا لدفع ثمنها لأن الأمر قد يبلغ أحيانا درجة التأديب!!. ولا شك أن الظواهر الشاهدة على ذلك كثيرة بما لا تحصى أو تعد. ولكن، قبل محاولتنا التدليل على ذلك يجدر بنا تقصي الأسباب إن أمكن ذلك ومن باب الملاحظة التي هي نتاج الممارسة الحياتية اليومية ليس الا.
يخيل للمراقب أن الشخص السوداني – لعدد من الأسباب- لا يطيق أن يكون أقل قدرة أو موهبة عن أقرانه، وقد يشكل ذلك لديه الكثير من العنت والشقاء ويسهم بقدر وافر في تكدير حياته وإكسابها الكثير من السلوك النفسي السالب، لأن تميز الآخر عنه يشعره بدونية وضآلة تذهب بقدر وافر من ثقته بنفسه. وقد يكون مرد ذلك نوع التنشئة الذي تتبعه الأسر في تربيتها للطفل. حيث أنه من الملاحظ يكاد يكون ممنوعاً عليه أن يصرح بمحاسن أقرانه أو يعلن عن تفوق أحدهم، وكثيراً ما يكون الرد حاسماً وغاضباً "انت مالك ناقص؟!" أو "انت الما بخليك زيه شنو؟" وغيرها من الالفاظ والتعابير التي تشعر الطفل مبكراً أنه من العيب أن يقر بتفوق الآخر لأن ذلك تسليم بالنقصان وقلة الشأن ، ولعل ذلك أوضح ما يكون في التنافس المحموم "حد الهستريا" في المراحل الدراسية والتقريع الملازم للطفل و خلق جو من الإرهاب في أي لحظة يتخلف فيها الطفل عن بعض أقرانه وخصوصا داخل نطاق العائلة الممتدة. كل هذا وذاك من أسباب التنافس غير العاقل عزز من حالة التنميط التي يرزح تحتها المجتمع وانصرفت الأسر كلياً عن اكتشاف مقدرات ومواهب صغارها وبحثها عما يميزهم عن الآخرين فيما اتجهوا كلياً إلى المحاكاة حتى أصبح بمرور الوقت أن الهدف الأكاديمي المرتجى لم يتعدى المجال أو المجالين في أحسن الأحوال "طب وهندسة"، وما دون ذلك يندرج في خانة "التعب البلا عوض"!!!.
هذا الخنق القسري لرحابة الحياة معززاً بذلك الغرس غير الحميد لمعنى التنافس غير الشريف واهدار معنى التمايز كان لابد بمرور الزمن أن يخلق نوعاً من من "ثقافة التبخيس" التي تسعى لاحتقار الآخر المتفوق أو الموهوب والعمل دوما للحط من شأنه بغية التوازن النفسي.. ولنا في ذلك أدبيات كاملة وأمثال ليس أقلها "الما بتلحقوا جدعو"!!.
والتبخيس دوما حالة مفارقة للنقد المنهجي، فبينما الأخير يتوسل الموضوعية والمنهجية بغية الإسهام في تنقيح التجارب والدفع بها نحو التطور والارتقاء نجد أن التبخيس لا علاقة له بعقلانية أو منطق كما أنه في مجتمعاتنا بلغ حداً من المباشرة بحيث أنه بات زاهداً في الالتفاف والمناورة لتحقيق أغراضه ولا يعنى في ذلك بأي حد من المعقولية. والحياة اليومية مليئة بالنماذج الطريفة، فمثلاً يكفي أن تكون في مجلس "ونسة" عامة مفتوحة على كافة النقاشات اليومية من فن ورياضة وثقافة ومجتمع، وعنى لك أن تشيد بلاعب مبرز حين انعطف النقاش نحو الرياضة، فيجيبك أحدهم بصبر نافد "آي هو ما بطال بس مشكلته انه بيقوم بقزازة براه !!" ، أو أن تتحدث باحترام عن تجربة أحد الفنانين فيجيبك أحدهم بامتعاض ظاهر: "صاح هو بغني كويس بس مشكلته بصبغ شنبه !!" وغيرها من مئات التعليقات غير المتماسكة أو ان شئت الدقة المتهافتة التي قد تصادفك يومياً والتي كلها تتفق في أن الذهنية التبخيسية لا تتوخى أدنى حد من الحذر أو تتوسل أية نوع من العقلانية في ما تود نسفه.
 
الشاهد ان هذه الثقافة تنامت وتجذرت للدرجة التي اصبح فيها التفوق أو التفرد نغمة توجب من صاحبها دفع الثمن كما ابنا لاحقا. وتبدأ تلك الممارسة منذ بواكير مرحلة الدراسة بتلك التحرشات اليومية التي يواجهها المتفوق من قبل أقرانه، هذا إن لم يتطور الأمر إلى حالة من الابتزاز النفسي بإشاعة أن تفوقه ناتج لعلاقة مشبوهة مع بعض الأستاذة!!! والى غير ذلك من السلوك المسبب للضغوط النفسية التي تذهب بثقته. ولعل ذلك كان سبباً لأن يترك الكثير مقاعد الدراسة هجراً بعد أن أصبح تفوقهم نغمة عليهم وسبب لجحيم حياتهم. أو أن يتراجع البعض دراسياً ليأمن شر التفوق وينضم إلى الآخرين للتنكيل بالضحية الجديدة !!.
أما السعي لمحاولة إبراز الموهبة مسرحيا كان أم غنائياً في الجمعيات الأدبية أو الأيام الثقافية المدرسية فالمحاولة هنا تبدو محفوفة بالمخاطر لأن ثقافة الاستهجان والتبخيس جاهزة ومتحفزة للانقضاض والألقاب المحملة بدلالات الاستحقار جاهزة للالتصاق بالمستهدف مرة والى الأبد ليس أقلها "فلان العوير" أو "علان البايخ" وليس آخرها "الثقيل".
أما إذا كان النبوغ رياضياً هذه المرة فالامر يتحول الى حرب يومية يخوضها صاحب الموهبة حتى يعود سالماً الى بيته " وليست في كل مرة تسلم الجرة" . فالموهبة هنا ليست محل استحسان الأقران بل هي تطاول يستحق التأديب والذي يكون في هذه الحالة ركلاً متعمداً وتشليتاً مصاحباًَ بصراخ جماعي "دقوا" .."كسروا" .. ما تخليه ينطط فينا" – ولاحظ هنا تعبير "ينطط" – فهو مرادف للموهبة، ولكنه مبتذل في اللاوعي الجمعي بقصد التبخيس.
كل هذا وذاك عزز بشكل أو بآخر من ثقافة التبخيس واستبطانها بقوة في اللاوعي الجمعي الذي يسعى حثيثاً لزجر أي بوادر لموهبة أو تفوق من باب أن الناس متساوية وكلنا "أولاد تسعة"، وهذا أضعف بدوره من قيمة الموهبة وبالتالي سيطرة ذهنية التبخيس متمثلة في لغتها السائدة، فأصبح الفنان "عامل فيها فنان" والشاعر "عامل فيها شاعر" ..كما أن عبارات مثل "ده فاكيها في روحه" أو "براي" ..لها مدلولها الابتزازي الرهيب على النفوس لأنها مشحونة بمعاني تبخيسية واستفزازية ناسفة. ومصطلح "عامل فيها .." لهو من الغرابة والطرافة بحيث أنه من المشكوك أن تجد له مقابل في أي لغة أخرى على ظهر البسيطة.
 
ولكن.. رغم كل ذلك ، ولأن التمايز واختلاف القدرات جزء من طبيعة الأشياء كما أشرنا من قبل، كان لابد للمواهب أن تعلن عن نفسها وللقدرات أن تظهر تفردها بحيث يصبح تجاهلها أو التنكر لها ليس دوماً في الإمكان . وهنا للمفارقة يتحول العقل الجمعي الحاضن لثقافة التبخيس الى عقل "دوغمائي" يعتقد فيمن يدين له بالتفرد حد التطرف. ومن عجب رغم التناقض الظاهري للمفهومين الا أنهما يعملان معاً في الثقافة السودانية بكفاءة نادرة ويمكن اعتبارهم القاسم المشترك في تشكيل بنية العقل الجماعي. ولعل أوضح ما يكون ذلك على مستوى العقل النخبوي ومراوحته بينهما. ويتجلى ذلك في غياب ثقافة الاختلاف وشيوع الخلاف كاحد الآليات المنتجة لذهنية التبخيس. أو سيطرة مفهوم الحواري "درق سيده" عندما يتحول الأمر الى "دوغما". وبمعنى أوضح فالأمر عند النخب كما هو الحال في باقي المجتمع هو غياب نسبية الآراء والتمترس خلف حقيقة موهومة تجعل من الآخر "نكرة" أو "جاهل" في أحسن الاحوال، هذا ان لم يستطيل الحال الى أنواع أخرى من الاسلحة الفتاكة ليس أقلها "اغتيال الشخصية"!!.
هذا التزاوج بين التبخيس والدوغمائية لا يخلو في كثير الاحيان من الطرافة لأنه أصلاً مبني على اللاعقلانية .. وهنا يستحضرني هذا الموقف الطريف: "كان يرافقني يوما ما في السيارة أحد الأصدقاء الذين لا يرون الحياة الا من "خرم" سياسي. وكان أن تصادف بمسجل السيارة شريط غنائي للفنان مصطفى سيد أحمد، وطلب هذا الصديق تغيير الشريط بحجة أنه لا يحبه، وكان من الممكن أن يكتفي بذلك الطلب محيلاً الأمر الى تباين أذواق .. ولكنه أردف معقباً "ياخ هو زي ما قال "نقد" : "في فنان شنبه كبير !!!" .. والتعليق بقدر طرافته فهو يكشف بحق عن ذلك التلازم الحميم بين المفهومين والقدرة على المزاوجة بينهم متى ما استدعى الأمر. فصاحبنا على ما يبدو لم يكن على ثقة من نفسه لتبخيس مصطفى ولذلك استعان بنموذج "معتقد فيه" - بضم الميم - يضفي على التبخيس بعداً أعمق.
 
خلاصة الأمر يبدو أنه من الواضح أن التبخيس ساهم بفاعلية حقيقية في "فرملة" تطور المجتمع السوداني في الكثير من مناحي الحياة وعمل بقوة على تنمطيه بحيث صار ايقاع الحياة يسير على وتيرة واحدة لا تحس معها بأي قيمة لتراكم التجارب الحياتية والابداعية .. فمثلاً: الغناء ليس بغناء ان لم يساير المألوف والتعليم ليس بتعليم ان لم يكن طب وهندسة والدراما ليست دراما طالما أنها ليست مصرية النسق، والكورة ليست كورة طالما أنها لا تلعب بطريقة الخمسينات من القرن الماضي ، وفي هذا الشأن اختزل احد المخضرمين الذين استضافهم التلفزيون السوداني قبل فترة كل علات الكورة السودانية في الأحذية الحديثة والحوافز .. مشدداً أن الحل الأمثل في العودة فوراً الى "الكدارة الجلد" و"جك الليمون" بديلاً عن الحافز المادي!!.
ومن نافلة القول أن نشير الى أن هذا الجو المشبع بروح "الارهاب التبخيسي" كان وما يزال سبباً لتطاول اقزام الفكر والمتصحرين عقلياً وعاملاً من عوامل شيوع الهرجلة وروح الانتهازية في مختلف مجالات الحياة للحد الذي صبغ كامل حياتنا بسقم وجودي مستدام يتبدى معه الإصلاح أمراً في غاية الاستحالة.
 
عبد الخالق السر/ ملبورن
29/5/2004م
"التبخيس" ... صنع خصيصاً للسودان!!!!
 
لا شك أن التمايز في المواهب والتفاوت في القدرات هو جزء من طبيعة الخلق وله مدلولاته العميقة في إثراء وإخصاب الحياة الدنيا بما ينتج عنه من فعل بشري خلاق. وكذلك من نافلة القول بأن المجتمعات التي عرفت طريقها للتقدم والرقي لم يتحقق لها ذلك إلا بالتفاتها لهذا التمايز والقدرة على توظيفه بأقصى حد تسمح به الطاقة البشرية.
ولكن، الأمر في السودان جد مختلف . فالمتتبع للسلوك الجمعي لمجتمعنا وما ينساب من بين ثنايا ثقافته يكتشف أن مجرد التفكير في التفرد أو إبراز الموهبة لهو نوع من المجازفة الخطيرة التي ينبغي لصاحبها الاستعداد نفسيا وبدنيا لدفع ثمنها لأن الأمر قد يبلغ أحيانا درجة التأديب!!. ولا شك أن الظواهر الشاهدة على ذلك كثيرة بما لا تحصى أو تعد. ولكن، قبل محاولتنا التدليل على ذلك يجدر بنا تقصي الأسباب إن أمكن ذلك ومن باب الملاحظة التي هي نتاج الممارسة الحياتية اليومية ليس الا.
يخيل للمراقب أن الشخص السوداني – لعدد من الأسباب- لا يطيق أن يكون أقل قدرة أو موهبة عن أقرانه، وقد يشكل ذلك لديه الكثير من العنت والشقاء ويسهم بقدر وافر في تكدير حياته وإكسابها الكثير من السلوك النفسي السالب، لأن تميز الآخر عنه يشعره بدونية وضآلة تذهب بقدر وافر من ثقته بنفسه. وقد يكون مرد ذلك نوع التنشئة الذي تتبعه الأسر في تربيتها للطفل. حيث أنه من الملاحظ يكاد يكون ممنوعاً عليه أن يصرح بمحاسن أقرانه أو يعلن عن تفوق أحدهم، وكثيراً ما يكون الرد حاسماً وغاضباً "انت مالك ناقص؟!" أو "انت الما بخليك زيه شنو؟" وغيرها من الالفاظ والتعابير التي تشعر الطفل مبكراً أنه من العيب أن يقر بتفوق الآخر لأن ذلك تسليم بالنقصان وقلة الشأن ، ولعل ذلك أوضح ما يكون في التنافس المحموم "حد الهستريا" في المراحل الدراسية والتقريع الملازم للطفل و خلق جو من الإرهاب في أي لحظة يتخلف فيها الطفل عن بعض أقرانه وخصوصا داخل نطاق العائلة الممتدة. كل هذا وذاك من أسباب التنافس غير العاقل عزز من حالة التنميط التي يرزح تحتها المجتمع وانصرفت الأسر كلياً عن اكتشاف مقدرات ومواهب صغارها وبحثها عما يميزهم عن الآخرين فيما اتجهوا كلياً إلى المحاكاة حتى أصبح بمرور الوقت أن الهدف الأكاديمي المرتجى لم يتعدى المجال أو المجالين في أحسن الأحوال "طب وهندسة"، وما دون ذلك يندرج في خانة "التعب البلا عوض"!!!.
هذا الخنق القسري لرحابة الحياة معززاً بذلك الغرس غير الحميد لمعنى التنافس غير الشريف واهدار معنى التمايز كان لابد بمرور الزمن أن يخلق نوعاً من من "ثقافة التبخيس" التي تسعى لاحتقار الآخر المتفوق أو الموهوب والعمل دوما للحط من شأنه بغية التوازن النفسي.. ولنا في ذلك أدبيات كاملة وأمثال ليس أقلها "الما بتلحقوا جدعو"!!.
والتبخيس دوما حالة مفارقة للنقد المنهجي، فبينما الأخير يتوسل الموضوعية والمنهجية بغية الإسهام في تنقيح التجارب والدفع بها نحو التطور والارتقاء نجد أن التبخيس لا علاقة له بعقلانية أو منطق كما أنه في مجتمعاتنا بلغ حداً من المباشرة بحيث أنه بات زاهداً في الالتفاف والمناورة لتحقيق أغراضه ولا يعنى في ذلك بأي حد من المعقولية. والحياة اليومية مليئة بالنماذج الطريفة، فمثلاً يكفي أن تكون في مجلس "ونسة" عامة مفتوحة على كافة النقاشات اليومية من فن ورياضة وثقافة ومجتمع، وعنى لك أن تشيد بلاعب مبرز حين انعطف النقاش نحو الرياضة، فيجيبك أحدهم بصبر نافد "آي هو ما بطال بس مشكلته انه بيقوم بقزازة براه !!" ، أو أن تتحدث باحترام عن تجربة أحد الفنانين فيجيبك أحدهم بامتعاض ظاهر: "صاح هو بغني كويس بس مشكلته بصبغ شنبه !!" وغيرها من مئات التعليقات غير المتماسكة أو ان شئت الدقة المتهافتة التي قد تصادفك يومياً والتي كلها تتفق في أن الذهنية التبخيسية لا تتوخى أدنى حد من الحذر أو تتوسل أية نوع من العقلانية في ما تود نسفه.
 
الشاهد ان هذه الثقافة تنامت وتجذرت للدرجة التي اصبح فيها التفوق أو التفرد نغمة توجب من صاحبها دفع الثمن كما ابنا لاحقا. وتبدأ تلك الممارسة منذ بواكير مرحلة الدراسة بتلك التحرشات اليومية التي يواجهها المتفوق من قبل أقرانه، هذا إن لم يتطور الأمر إلى حالة من الابتزاز النفسي بإشاعة أن تفوقه ناتج لعلاقة مشبوهة مع بعض الأستاذة!!! والى غير ذلك من السلوك المسبب للضغوط النفسية التي تذهب بثقته. ولعل ذلك كان سبباً لأن يترك الكثير مقاعد الدراسة هجراً بعد أن أصبح تفوقهم نغمة عليهم وسبب لجحيم حياتهم. أو أن يتراجع البعض دراسياً ليأمن شر التفوق وينضم إلى الآخرين للتنكيل بالضحية الجديدة !!.
أما السعي لمحاولة إبراز الموهبة مسرحيا كان أم غنائياً في الجمعيات الأدبية أو الأيام الثقافية المدرسية فالمحاولة هنا تبدو محفوفة بالمخاطر لأن ثقافة الاستهجان والتبخيس جاهزة ومتحفزة للانقضاض والألقاب المحملة بدلالات الاستحقار جاهزة للالتصاق بالمستهدف مرة والى الأبد ليس أقلها "فلان العوير" أو "علان البايخ" وليس آخرها "الثقيل".
أما إذا كان النبوغ رياضياً هذه المرة فالامر يتحول الى حرب يومية يخوضها صاحب الموهبة حتى يعود سالماً الى بيته " وليست في كل مرة تسلم الجرة" . فالموهبة هنا ليست محل استحسان الأقران بل هي تطاول يستحق التأديب والذي يكون في هذه الحالة ركلاً متعمداً وتشليتاً مصاحباًَ بصراخ جماعي "دقوا" .."كسروا" .. ما تخليه ينطط فينا" – ولاحظ هنا تعبير "ينطط" – فهو مرادف للموهبة، ولكنه مبتذل في اللاوعي الجمعي بقصد التبخيس.
كل هذا وذاك عزز بشكل أو بآخر من ثقافة التبخيس واستبطانها بقوة في اللاوعي الجمعي الذي يسعى حثيثاً لزجر أي بوادر لموهبة أو تفوق من باب أن الناس متساوية وكلنا "أولاد تسعة"، وهذا أضعف بدوره من قيمة الموهبة وبالتالي سيطرة ذهنية التبخيس متمثلة في لغتها السائدة، فأصبح الفنان "عامل فيها فنان" والشاعر "عامل فيها شاعر" ..كما أن عبارات مثل "ده فاكيها في روحه" أو "براي" ..لها مدلولها الابتزازي الرهيب على النفوس لأنها مشحونة بمعاني تبخيسية واستفزازية ناسفة. ومصطلح "عامل فيها .." لهو من الغرابة والطرافة بحيث أنه من المشكوك أن تجد له مقابل في أي لغة أخرى على ظهر البسيطة.
 
ولكن.. رغم كل ذلك ، ولأن التمايز واختلاف القدرات جزء من طبيعة الأشياء كما أشرنا من قبل، كان لابد للمواهب أن تعلن عن نفسها وللقدرات أن تظهر تفردها بحيث يصبح تجاهلها أو التنكر لها ليس دوماً في الإمكان . وهنا للمفارقة يتحول العقل الجمعي الحاضن لثقافة التبخيس الى عقل "دوغمائي" يعتقد فيمن يدين له بالتفرد حد التطرف. ومن عجب رغم التناقض الظاهري للمفهومين الا أنهما يعملان معاً في الثقافة السودانية بكفاءة نادرة ويمكن اعتبارهم القاسم المشترك في تشكيل بنية العقل الجماعي. ولعل أوضح ما يكون ذلك على مستوى العقل النخبوي ومراوحته بينهما. ويتجلى ذلك في غياب ثقافة الاختلاف وشيوع الخلاف كاحد الآليات المنتجة لذهنية التبخيس. أو سيطرة مفهوم الحواري "درق سيده" عندما يتحول الأمر الى "دوغما". وبمعنى أوضح فالأمر عند النخب كما هو الحال في باقي المجتمع هو غياب نسبية الآراء والتمترس خلف حقيقة موهومة تجعل من الآخر "نكرة" أو "جاهل" في أحسن الاحوال، هذا ان لم يستطيل الحال الى أنواع أخرى من الاسلحة الفتاكة ليس أقلها "اغتيال الشخصية"!!.
هذا التزاوج بين التبخيس والدوغمائية لا يخلو في كثير الاحيان من الطرافة لأنه أصلاً مبني على اللاعقلانية .. وهنا يستحضرني هذا الموقف الطريف: "كان يرافقني يوما ما في السيارة أحد الأصدقاء الذين لا يرون الحياة الا من "خرم" سياسي. وكان أن تصادف بمسجل السيارة شريط غنائي للفنان مصطفى سيد أحمد، وطلب هذا الصديق تغيير الشريط بحجة أنه لا يحبه، وكان من الممكن أن يكتفي بذلك الطلب محيلاً الأمر الى تباين أذواق .. ولكنه أردف معقباً "ياخ هو زي ما قال "نقد" : "في فنان شنبه كبير !!!" .. والتعليق بقدر طرافته فهو يكشف بحق عن ذلك التلازم الحميم بين المفهومين والقدرة على المزاوجة بينهم متى ما استدعى الأمر. فصاحبنا على ما يبدو لم يكن على ثقة من نفسه لتبخيس مصطفى ولذلك استعان بنموذج "معتقد فيه" - بضم الميم - يضفي على التبخيس بعداً أعمق.
 
خلاصة الأمر يبدو أنه من الواضح أن التبخيس ساهم بفاعلية حقيقية في "فرملة" تطور المجتمع السوداني في الكثير من مناحي الحياة وعمل بقوة على تنمطيه بحيث صار ايقاع الحياة يسير على وتيرة واحدة لا تحس معها بأي قيمة لتراكم التجارب الحياتية والابداعية .. فمثلاً: الغناء ليس بغناء ان لم يساير المألوف والتعليم ليس بتعليم ان لم يكن طب وهندسة والدراما ليست دراما طالما أنها ليست مصرية النسق، والكورة ليست كورة طالما أنها لا تلعب بطريقة الخمسينات من القرن الماضي ، وفي هذا الشأن اختزل احد المخضرمين الذين استضافهم التلفزيون السوداني قبل فترة كل علات الكورة السودانية في الأحذية الحديثة والحوافز .. مشدداً أن الحل الأمثل في العودة فوراً الى "الكدارة الجلد" و"جك الليمون" بديلاً عن الحافز المادي!!.
ومن نافلة القول أن نشير الى أن هذا الجو المشبع بروح "الارهاب التبخيسي" كان وما يزال سبباً لتطاول اقزام الفكر والمتصحرين عقلياً وعاملاً من عوامل شيوع الهرجلة وروح الانتهازية في مختلف مجالات الحياة للحد الذي صبغ كامل حياتنا بسقم وجودي مستدام يتبدى معه الإصلاح أمراً في غاية الاستحالة.
 
عبد الخالق السر/ ملبورن
29/5/2004م

أمهات عظماء وآباء هاربون

بمناسبة اليوم العالمي للمعاقين التحية والاحترام والتجلة والتقدير لكل أمهات الاطفال المعاقين اللاتي نذروا انفسهم لرسالتهم النبيلة التي يتضاعف أجرها برعاية طفل ذو احتياج خاص، أخص بالتحية أمهات أطفال الشلل الدماغي وهي اصابة في الدماغ تحدث نتيجة نقص في أكسجين أو إصابة أثناء الولادة أو خلال السنين الخمس الأولى أو مرض، تؤدي لإعاقة حركية رباعية أو ثنائية لأطرافه أو أحيانا إعاقة حسية، فكرية او لغوية.

في احتفال وفعاليات منظمة بسمة خير شاركت بعمل جلسة إرشادية جماعية لمجموعة 17 أم يعاني أطفالهم من الشلل الدماغي تتراوح أعمارهم بين 6- 20 عام، كان من بينهم 7 أمهات طلقوا بسبب إصابات أطفالهم و 8 منهم تزوج الآباء وتخلو عنهم وعن دعمهم، أجمع جميع الآباء ال17 على عدم جدوى العلاج كما معظم أفراد المجتمع الذين يحاولون ثني الامهات عن جهودهم مع أبنائهم.

لايدهشني هذا الوضع في ظل الغياب التام لخدمات الإرشاد النفسي الأسري، ابتداء من التشخيص حيث ينهي الأطباء دورهم بإبلاغ الأسرة بالمشكلة، وحتى المراكز المتخصص تهتم بالطفل وحده تطوره وتدربه ويغيب عنهم المتخصصين والمتدربين في الإرشاد الأسري ويعتمدوا على الخبرات الذاتية والفردية.

عند معرفة الأسرة بإصابة طفلها تمر بمراحل نفسية تنعكس على استقرارها قد ينتج عنها الطلاق:

أولا الصدمة الإنكار الغضب والحزن ثم التأقلم.

تحتاج الأسرة خلالها للدعم النفسي العلمي من خبراء ليقودوهم إلى بر الأمان .

رسالتي أوجهها إلى الجميع الأسرة أولا.

برغم قسوة الآباء وهجرهم لأطفالهم وعدم اهتمامهم إلا أنهم يحتاجون إلى الإرشاد النفسي ليتقبلو أطفالهم.

د. ابتسام محمود 

الفتاة التى أعزمها كوبا من الشاى ويدور بيننا حوار طويل لا أجد فى رأسها إلا بعض أغانى لتامر حسنى وشيرين و مايا دياب وإعجاب كبير بممثلات السينما المصرية.
ومفرداتها ما بين (شرط وإتنفض وزنق وأشياء اخرى)
والبلوزه التى ترتديها تحمل عبارات إنجليزية إن كانت تتجول فى شوارع لندن فسيسألها أحدهم دون تردد عن (قيمة الساعة)
والعبارات وترجمتها (إختارنى إن أردت قضاء وقت ممتع)!! وبوابة الجامعة التى عبرت بها كانت تضحك وهم يبحثون عن زى فاحش ولا يدرون ماهو مكتوب فى بلوزة شبه محتشمة.
وسؤالى لها عن معنى ما ترتديه فترد بأنها لا تعرف!! وعن من إشتراها لها فتقول (أمى)
فأضحك فى سرى أنها لاتعلم الإعلان الذى ترتديه وأمها لا تعلم وحرس الجامعة لا يعلم والمجتمع أغلبه لا يعلم.
وأخرى أجالسها فأجدها تضع يدها على فخذى و(تتونس) ثم أنتبه قليلاً أنها لم تقصد اصلاً ما يتبارد للذهن من وضع يدها وإنما (هذا أسلوبها وبعض صديقاتها).. هذه حميميتهم فى الحوار وطريقتهم فى التواصل
هن لسن (سفيهات) لأنهن لا يعرفن السفه اصلاً (كقيمة ومعنى وسلوك).. فقط هم هكذا
البحث عن بلوزة وإسكيرت تحت أى مسمى (شطفنى .. الحقنى .. طرشقت .. عدم الوالى وغيرها) وروج على الشفاه
وكلمات للغة جديدة وآخر ما أنتجته روتانا سينما وروتانا موسيقى وميلودى أفلام و(وديييييييع)
قد يمارسون الجنس ويظنون أنهم يمارسون (الحب) هذا ما يرونه فى المسلسلات التركية وهذه حدود العلاقة بين الحبيبن
منتهى الثقافة ان يقرأوا الدار وحكايات
يدخلون الجامعة ويخرجون لأنها مكان للونسة والشلة و(مواد للإمتحان).
ربما غير مثقفين ولكنهم أذكياء جدا فى التقنية مابين الحواسب الآلية والموبايلات المتطورة .. يستخدمونها لكل شي إلا للثقافة والوعى
هذا الجيل الذى يتحرك ومنذ سنوات ويزداد ..لا يهتم أصلا بمايقوله الساسة
لا يهتم بالترابى والصادق والميرغنى والشفيع خضر ونافع على نافع
هم أغلبية .. يعرفون عن نجوم السينما العرب والمطربات أكثر مما يعرفه أفضلنا عن الأيديولوجيا ونهاية التاريخ ونعوم تشومسكى
هذا الجيل لن يستوعبه أبداً خطاب المؤتمر الشعبى ولا جدليات الحزب الشيوعى ولا المشروع الحضارى المكذوب
هذا الجيل خارج إطار زعامة بيت المهدى ولا يعرف عن الميرغنى إلا أنه رأس مالى كبير.
ومابين تجاوز اللحظة للخطابات السياسية وتجاوز الجيل للتنظيمات السياسية .. يصبح السلاح هو حوار الأطراف التى لا يعرف عنها المركز شيئاً ... وتصبح الغيبوبة هى خطاب المركز الذى لا يعرف عنه الأطراف إلا أنه مركز الجلابة.
ومابين هذه الغيبوبة وذلك السلاح يستمر التفتت ويستمر التأزيم مالم يأتى فاعل جديد ...فاعل يعلم تماماً تامر حسنى ويعيد توجيهه من جديد
فاعل يعرف تماما خلطة الديانا مع اللوكسيد لتفتيح البشرة
فاعل يعرف الشادو والماسكرا والروج فيدغمها مع تروتسكى ومالك بن نبي وبرتراند رسل
فاعل يعرف تماما بله ود عشا السائق الركشة فيدخله فى بناديها مع وردى وأربعة سنين ود الأمين ويقرأ البردة مع البوصيرى
فاعل يبدأ من الدينارية والزرقا وصحن البوش والواتساب ليعيد تفكيكها فى مقاصد الامام الشاطبى والطاهر بن عاشور ونيتشه وميشيل فوكو
فاعل يعرقف المسلسل التركى ومافيه من رسالة فيستوعبها ويعيد توجيهه وتوضيح منظومة القيم الى الغزالى الكبير
فاعل يعرف تماما أوجاع الأطراف ..الأسر التى تشرب من الحفائر بعد بول الاغنام والماشية ,, يعرف خميس طويره يعرف النشوق يغنى مع الهمباتة يعرف موسيقى الوازا وايقاع المردوم والتم تم يعرف الفرق بين الخروف الحمرى والسواكنى والبلدى بين البلطى والقرقور والبياض والناجل وسمك موسى.
نحتاج لمن يقول إن كل منتوج القوى السياسية (بلا إستثناء) هو خارج اللحظة وخارج المستقبل
وأن يقول ان المركز فى غيبوبته الكبرى خارج اللحظة الانسانية وخارج المستقبل
وأن الأطراف بكل إحنها وغبائنها وجراحاتها خارج الحياة وخارج المستقبل
نحتاج من يجمع بين سبحة الصوفى وجلباب السلفى القصير وجناح أم جكو والتوشيبا والإسكيرت والتونك والابل والسوفت وير وعقد الجلاد وحمادة بت والكابلى ويانى وسيلين ديون ورقصة القرد فيخرج أفضل مافيهم جميعاً ويطرح أسوأ ما فيهم جميعاً.
نحتاج الى فاعل ينتج امة ويصنع وطن
وطناً للمستقبل.

(( ثقافة الزعل)) مقال رائع :

مشكلتنا أننا نترك وسائل تعبيريه  
كثيرة ونختزل ردات فعلنا دائماً بالزعل !! ،
وللأسف كثير من الذين يملكون نضجاً عقلياً لا يملكون نضجاً انفعالياً فيتعاملون مع المواقف التي تغضبهم بطريقة لا تليق بعقولهم الناضجة ،
فالزعل هو ردة الفعل الوحيدة لأتفه المواقف!! .
والبعض لا يعبر عن احتياجاته بشكل مباشر فيبحث عن الزعل لكي يلهث الآخر في البحث عن الاحتياجات ! ،
وبعضنا يهرب من الخطأ الذي ارتكبه بافتعال زعل لأي سبب ،
ولا تعجب أن ترى من يبحث عن الزعل ليحصل على شهوة الاسترضاء !.
إننا بحاجة إلى إعادة صياغة الثقافة التي نتعامل بها مع خلافاتنا ،
وأن نرفع من اللياقة النفسية بتحجيم الزعل في حياتنا إلى حدوده الدنيا ،
فهذا حبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام يخرج من حجرة عائشة ليلاً فتلحق به ورياح الشك تدفعها ونار الغيرة توهمها بأنه خرج لاحدى نسائه فتكتشف أنه يزور المقبرة داعياً لأصحابه فترجع بسرعة لكي لا يفتضح أمرها ويدخل عليها الرسول ونفسها ثائر وهي تتظاهر بالنوم ، فيسألها النبي فتنكر ثم يحاول فتعترف له الزوجة التي شكت في زوجها ، وخرجت من بيته بدون إذنه ، واقتصرت ردة فعل النبي على وضع يد حانية على صدرها مع دعاء من محب وجملة عتاب قصيرة  ينتهي الموقف في حينها .

رحم الله تلك العجوز التي سمعتها تقول : ( لا يصبح الزعل عليكم ) كناية عن المدة التي لايجب أن يتجاوز فيها الزعل ٢٤ ساعة ، والرسول عليه الصلاة والسلام نهانا أن يمتد الهجر فوق ثلاثة أيام ، ونجد أسوأ الأحباب من يجيد فتح ملف الزعل ولا يجيد اغلاقه ،
فالمدد الطويلة لهذه الحالات من الهجر تتغذى على جمال أرواحنا وتفتك بابتسامات نفوسنا.
الصفحات السوداء عندما تنتهي حالة الزعل الأولى أحرقها ،
وإياك أن تُخزِن هذه الصفحات في ملف تفتح أرشيفه مع كل حالة زعل جديدة .
والمبادرة لإنهاء حالات الخصومة دلالة على اتساع القلب وقوة الحكمة وليست مؤشراً على ضعف الشخصية وامتهان الكرامة ،
فلا تخسر اجمل علاقاتك بأسباب توافه
وتأكد بأن الجميل سيرحل ان لم يجد الاحتواء الذي يرجوه
 والصبر وان طال سينفذ والحياه لاتتوقف على احد

السباق الأكاديمي في المدارس
أثر السباق الاكاديمي في مدارسنا لتدمير شخصية الطلاب وقضى على أمانة المعلمين. تعتبر مرحلة تعليم الاساس التي تبدأ من عمر 6 سنوات أهم المراحل التعليمية فيها يبدأ تعلم القيم والأخلاق ويتعلم الطفل القراءة والكتابة والحساب، تشمل ايضا فترة البلوغ والتغير من الطفولة للمراهقة وتتسم بالحساسية والتمرد على السلطة والاهتمام بجماعة الرفاق.
فهل نراعي ذلك في مدارسنا؟؟
هل معلمينا مدربين على ذلك؟؟
شواهد:
وصمة الفصل المتدني: بعض المدارس التي فيها أكثر من نهر تقوم بتقسيم الطلاب حسب المستوى الأكاديمي في الامتحانات وليس حسب قدرات الطالب، مثال: في مدرسة تحتوي على 5 فصول للصف الثامن الذين هم في مرحلة البلوغ والاهتمام بالصداقات والعلاقات وبناء الشخصية، نجد أنه لو امتحن طالب من الصف الاول _حسب تصنيفهم_ وتدنى مستواه الاكاديمي يحول للفصل الادنى بدلا من دراسة حالته وتشجيعه فهو في الاصل طالب ذو قدرات مميزة أكاديميا. وهو فصل وصمة حسب اعلان المدرسة بان طلابه اقل وأبلد من طلاب الفصل الاول ذلك يفقد الطالب ثقته في نفسه ويفقده أصدقاءه -في اليابان يعاقب الطالب المراهق بابعاده عن صديقه- بينما لا يرغب طلاب الفصول المتدنية في التفوق حتى لا يبتعدو عن اصدقاءهم.
ماهي النظرية التربوية التي تعتمد عليها المدرسة؟ لماذا لا يكون التقسيم عشوائي داخل الفصول مع مراعاة الفروق الفردية ويلجأ المعلمين لممارسة السباقات الفردية والنقاشات داخل الفصل لزيادة الدافعية.
لماذا نوهم فصل بأن طلابه ضعيفين ونففقدهم الثقة في أنفسهم؟
قامت باحثة أمريكية بتقسيم فصل لمجموعتين بعد إجراء اختبار للذكاء احرزت المجموعة التي اخبرت ان درجة ذكائها عالية على نسب عالية في الامتحان الذي خضعت له المجموعتين في حين انها لم تقم باختبار الذكاء اساسا !!
لماذا تحتفل وزارة التربية بالطلاب المتفوقين أكاديميا فقط؟ لماذا لا يكرم الطالب المثالي في سلوكه، في الفنون او الرياضة أو الأدب. لماذا لا تكرم المدارس وتتنافس في البيئة المدرسية والمناشط؟ هل التفوق الاكاديمي وحده يصنع النجاح؟؟
أثبتت الدراسات أن 15% فقط هي نسبة اعتماد النجاح في الحياة والعمل على الذكاء والجوانب الاكاديمية والمهنية و النسبة المتبقية 85% هي اثر الشخصية ومهارات التواصل وإدارة الذات.
حضر طفل في الصف الثالث لايعرف القراءة و الكتابة كان تقييم المدرسة له جيد جدا، عندما رجعت الام للاساتذة كان تبريرهم لها ان المدير يمنع اعطاء درجة أقل من جيد جدا وهي احدى المدارس التي ترفع شعار الاسلام، فهل لايدرك المعلمون أن هذا غش؟؟
اعترضت طابة في الصف الثامن أن معلميها كانو يمنعونها سابقا من الغش مستشهدين بقوله صلى الله عليه وسلم "من غشنا فليس منا"، ولكنهم في هذه السنة -الصف الثامن- طلبوا منهم الغش ومساعدة بعضهم بعضا مستشهدين بالاية القائلة "تعاونو على البر والتقوى" حرصاً على تفوق المدرسة، أين البر في ذلك؟؟
نسيت طالبة كراستها في المنزل وأخبرت المعلمة بانها خائفة من مرور المديرة فردت معلمتها بان اخرجي اي كراس وادعي انك تكتبين، ماهي القيمة التربوية التي غرستها المعلمة عند الطالبة؟؟
طالبة كانت متفوقة إلى الصف الخامس لكنها اصيبت بحالة نفسية خوف وعدم الرغبة في المدرسة أدى إلى تدني في تحصيلها الاكاديمي، طالبت مديرة المدرسة بتحويلها من مدرستها خوفا على درجة الشرف التي تنالها المدرسة، أي شرف تتحدث عنه المديرة بالتخلي عن طالب في لحظة ضعف، ماهي القيمة التربوية التي تستند عليها وماهو شعور هذه الطالبة؟؟
إن الحديث عن غياب التربية في المدارس حديث ذو شجون والشواهد كثيرة وإذا لم تعِ وزارة التربية وتقوم بدورها كما يجب سوف تكون الأجيال القادمة أدهى وأضل سبيلا وإذا كان التفوق الأكاديمي وحده يكفي أين متفوقو السودان من الاجيال السابقة، وعلى ماذا انعكس هذا التفوق في السياسة ام الرياضة ام الاقتصاد؟؟

د. ابتسام محمود

19 نوفمبر اليوم العالمي لحماية الطفل من العنف والاستغلال والايذاء في هذا التاريخ لابد من وقفة لتقييم الأدوار في البيئة الحامية للطفل وتعزيز دور الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظومات الوطنية لحماية الطفل وممارسات الحماية الاجتماعية وتمكين الطفل ذاته بالرقابة والرصد الجيدين. ملايين الأطفال في العالم معرضون للعنف والاستغلال والإساءة في المجتمعات المحلية والمدارس والمؤسسات وخلال الصراعات المسلحة ومعرضون للمارسات الضارة من تشويه وبتر أعضاء تناسلية للانثى وزواج الأطفال ولا يزال ملايين من الذين لم يصبحوا ضحايا بعد بدون حماية كافية على الصعيد الوطني نفتقر إلى الاستراتيجية الوطنية في حماية الأطفال من العنف والاستغلال والايذاء وضعف نظم الحماية وضعف التطبيق والتنفيذ للقوانين الوطنية وأهمها قانون الطفل 2010 وضعف خدمات الصحة النفسية للطفل وبرامجها كالدعم النفسي اجتماعي مما يتنافي والمبادئ الأساسية في الحق في الحياة والنماء والرفاه وحق المشاركة والمصلحة الفضلى. إن مشاركة الطفل مبدأ أصيل في حقوقه يعتمد بالدرجة الأساس على صحته النفسية ومدى ما اكتسبه الطفل من مهارات نفسية سلوكية تمكنه من المشاركة في الوقاية من العنف والاستغلال والايذاء.
انتبه: فلنجعل من يوم 19 نوفمبر يوما للاستماع إلى أطفالنا دون قيد كيف يواجهون العنف الذي يحاصرهم لتقييم أي مهارات تنقصهم وأخرى يجب تعزيزها

خاطرة بقلم دياسر موسى استشارى نفسي ناشط فى حمايه الطفوله رئيس اتحاد الاعاقه الذهنيه مدير مركز التاهيل

خاطرة
لماذا نعاني من الفقر ونحن بلد غني بموارده الطبيعية وعقوله المتعلمة النيرة؟؟
في اعتقادي انه بسبب فقدان الخصائص السلوكية التي تؤدي للنجاح في المهنة. أثبتت الدراسات أن 15% من النجاح يعتمد على التفوق الأكاديمي والذكاء بينما 85% منه يرجع على المهارات الشخصية والتواصل والذكاء الاجتماعي.
السؤال هل تهتم مؤسسات التنشئة (الأسرة- المدرسة- الإعلام) في خلق شخصية سودانية متوازنة منتجة؟ هل جلس أب وأم واتفقوا على منهج تربوي لتربية أبنائهم مستمد من ثقافة المجتمع وتدريب على الأمومة والأبوة في التعليم؟؟ هل هنالك منهج واختيار معلمين يهدف لخلق شخصية سودانية متوازنة؟؟؟ هل توجد برامج إعلامية هادفة تؤدي إلى خلق شخصية سودانية متوازنة؟؟؟؟

د. ابتسام محمود


سيكولوجية العفو والتسامح


يعد الاعتذار أحد السلوكيات الإيجابية لنشر وإشاعة الحب بين الناس، إذ يعمل الاعتذار على مد جسور الثقة والتعاون التي هدمت بسبب إحدى التصرفات السيئة أو غير المقبولة التي قمنا بها، مما يمهد الاعتذار الطريق لأن نسير مرة أخرى في أفكار ومشاعر الشخص الذي أسأنا إليه. ورغم بساطة الاعتذار أو قول كلمة محببة أو جميلة في نفس الآخر إلا أن بعض الناس يجدون صعوبة كبيرة في التعبير عنها، أو يمتنعون من قولها، أو حتى برمي نظرات تدل على أن الشخص يتأسف على ما صدر منه من سلوكيات غير مقبولة ولكنه يخجل من قول كلمات الأسف، مما يجعل المشكلة والفجوة التي ظهرت بين طرفي الخلاف تكبر شيئاً فشيئاً حتى تصبح عملية ترميم العلاقة الاجتماعية أو الحميمة من جديد صعبة جداً، وبذلك فإن قول كلمة آسف تحتاج إلى ثقافة ومهارة خاصة يجب أن يتمتع بها كل شخص لأننا غالباً ما نتعرض إلى مثل هذه المواقف سواء كانت مع الوالد أو الزوج والصديق أو الجار أو حتى الشخص الغريب.
لقد أعطى ديننا الإسلامي للعفو عن الآخرين معنى خاصاً، وجعل له هدفاً ودعا إليه وشجّع عليه، وهو يتضمن التسامح والرحمة والأخوة، قال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وكل منا قد يتعرض في تفاعله الاجتماعي للإساءة والظلم والجهالة والإفك والبهتان من الآخرين، أو يتعرض للصد والمنع والإحباط فتتولد مشاعر التوتر والقلق، وتثير فينا ردود فعل غاضبة، وهنا يأتي دور ترك الانتقام وكظم الغيظ، والعفو عمن ظلمنا، ونصفح عمن أساء إلينا، ونتسامح مع من اعتدى علينا، قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران 134، وهذه الأخلاقيات (العفو والصفح والتسامح) إنها تفيد وترفع صاحبها من درجاته قبل أن تفيد من عفا عنه، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» ففي العفو طمأنينة ومودة وشرف للنفس ورفعة لها عن ذل الانتقام، فالخبرة الدارجة في الحياة اليومية تثبت لنا أن ما انتقم أحد لنفسه إلا ذلَّ.
والإيمان كما وصفه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى يقوم على السماحة والحلم وترك طلب الهلاك للمخطئين والتخلي عن السعي للانتقام، لأن الإيمان ينزع من النفوس الغل والحقد ويجعلها هينة لينة رقيقة يسبق حلمها غضبها، وتغلب حكمتها انفعالاتها، وهذا ما أكده قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطب صحابته رضوان الله عليهم، قال: «ألا أنبئكم بما يشرف البنيان ويرفع الدرجات؟ قالوا نعم يا رسول الله، قال: تحلم عمن جهل عليك وتعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك».
ويتم العفو عن الناس على 3 مستويات:
1- كظم الغيظ: حاول أن تعمل على تحويل مشاعر الغيظ إلى مشاعر تقبل وتحمل، وتصريفها ابتغاء لمرضاة الله، وعدم حبسها في النفس ولا تلجأ إلى الانتقام من الشخص الذي أساء إليك، وهذا يعطيك قوة الإرادة وثقة بالنفس عالية، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب».
2- الصفح عن الإساءة: لا بد أن نتحمل إساءة المسيء ونتقبلها ولا نغضب منها ونحاول أن نصفح عنه ونسامحه دون قلق أو توتر، والصفح أعلى مرتبة من كظم الغيظ، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت 34.
3- الإحسان إلى المسيء: ثم تأتي مرحلة الإحسان إلى المسيء وهي أعلى درجة الصفح يكون فيها عطاء ومودة ومحبة للمسيء وإحسان إليه والدعاء له، وهذه العملية لا يقدر عليها إلا من قوي إيمانه.
ونحاول أن نحب من يكرهنا ونحسن إلى من أساء لنا ونصفح عمن ظلمنا ونصل من قطعنا وندفع بالتي هي أحسن حتى ننال رضا الله تبارك وتعالى.
4- افهم الشخص الذي أساء إليك: ولكي تتخلص من كره الشخص الذي أساء إليك، ضع نفسك مكانه، إنّ هذا يجعلك ترى الجرم الذي ارتكبه في حقك بعين أخرى، وقد تنظر إليه إلى حدٍ ما على أنّه مقبول، أو على الأقل سيبدو لك أقل مأساوية مما تراه أنت من موقع الضحية. إن وضعت نفسك مكان الذي أساء إليك، فسوف ترى دوافعه إلى ما ارتكبه، بغرض أن تعرف أنّ له هو أيضاً نقاط ضعف.
5- ابدأ حياتك من جديد: أن تعود إلى ممارسة حياتك الطبيعية بشكل عادي، والمسامحة هي فعل تحريري، يحررك من الألم ويعطيك الشجاعة لمواجهة الحياة من جديد.
اذن التسامح مهارة يجب ان نملكها لابناءنا ليعيشو سعداء وبالرغم من طيبة الشخصية السودانية وعدم ميلها للعنف الا ان ثقافة الاعتذار مرتبطة بالكرامة والضعف وعدم التسامح مرتبط بقوة الشخصية وكلها مفاهيم خاطئة تضعف العلاقات على كل المستويات وتوئجج الصراع الذى لاينتهى الا بالخسارة للطرفين فهذه دعوة للحب والتسامح لنجربه معا لندرك مدى تاثيرة على النفس وراحة البال .

د. ابتسام محمود

جميع الحقوق محفوظة لمركز أمنية للتدريب ©2015